س381/اليوم شرحت لطالباتي درس ضوابط التفسير وأثناء توضيحي للنقطة الثانية في الضوابط وهي : [ حمل كلام الله على الحقيقة .. ] كما في الكتاب المقرر وهذا نصه : ومثال ذلك قوله تعالى : { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } فهذا يدل على حقيقة المجيء لله تبارك وتعالى يوم القيامة للفصل بين العباد وهذا على وجه يليق بكمال الله وجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا يماثل المخلوقين . فظن بعض المبتدعة ظن السوء وأرادوا نفي هذه الصفة فقالوا إن المعنى {وجاء أمر ربك } لأنهم يقولون أن الله لا يوصف بالمجيء !! فاستأذنت إحدى الطالبات بمداخلة وأوردت أقوال للإمام أحمد بن حنبل يقول بقولهم وكذلك الإمام مالك فأنكرت عليها ذلك ، وأكملت الدرس ثم أرسلت لي الردود على الخاص لتبين خطأ الكتاب وأنها على صواب وهذا ما أرسلته لي : 1- [ روى الحافظ البيهقي في كتابه مناقب الإمام أحمد وهو كتاب مخطوط ونقل منه ابن كثير في البداية والنهاية (10/370) فقال : روى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السَّمَّاك ، عن حنبل ، أن أحمد بن حنبل تأوَّل قول الله تعالى : {وَجَاءَ رَبُّكَ} أنه : جاء ثوابه . ثم قال البيهقي : وهذا إسناد لا غبار عليه ] 2- [ وروى الخلال بسنده عن حنبل عن عمه الإمام أحمد بن حنبل أنه سمعه يقول : احتجوا عليّ يوم المناظرة، فقالوا : تجيء يوم القيامة سورة البقرة .. قال : فقلت لهم : إنما هو الثواب .. فتأمل في هذا التأويل الصريح ] 3- [ ونقل الحافظ بن الجوزي عن القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد في قوله تعالى { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ } أنه قال : المراد به قدرته وأمره ( دفع شبه التشبيه ص١٤١ ) ] 4- [ تأويل الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه لحديث النزول فقد سئل الإمام مالك رحمه الله عن نزول الرب عزّ وجلّ ، فقال : ( ينزل أمره تعالى كل سَحَر ، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلا هو ) التمهيد (7/143) سير أعلام النبلاء (8/105) الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص ١٣٦ ، شرح النووي على صحيح مسلم (6/37) الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص82 ] 5- [ تأويل الإمام الشافعي رضي الله عنه للفظ الوجه فقد وحكى المزني عن الشافعي في قوله تعالى { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } قال : يعني والله أعلم فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه . [ الأسماء والصفات للبيهقي ص309 ] 6- [ أول سفيان الثوري الاستواء على العرش بقصد أمره والاستواء الى السماء بالقصد إليها ( مرقاة المفاتيح (2/137) ] 7- [ أول ابن عباس رضي الله عنهما قول الله تعالى : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } فقال يكشف عن شدَّة . فأول كشف الساق بالشدة . ذكر ذلك الحافظ بن حجر في فتح الباري (13/428) والحافظ بن جرير الطبري في تفسيره (29/38) حيث قال في صدر كلامه على هذه الآية : قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل : يبدو عن أمر شديد . ومنه يتضح أن التأويل كان عند الصحابة والتابعين وهم سلفنا الصالح ] 8- [ أول ابن عباس قوله تعالى { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }قال : بقوة . كما في تفسير الحافظ بن جرير الطبري (7/27)] 9- [ أول ابن عباس النسيان الوارد في قوله تعالى : {فَاليَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} بالترك . كما في تفسير الحافظ الطبري (5/ 8 ص201) حيث قال ابن جرير : أي في هذا اليوم وذلك اليوم ننساهم يقول : نتركهم في العذاب ] 10- [ أول ابن عباس رضي الله عنهما الكرسي بالعلم فقد جاء في تفسير الطبري (7/3) عند تفسيره لآية الكرسي ما نصّه : ( اختلف أهل التأويل في معنى الكرسي الذي أخبر الله تعالى ذكره في هذه الآية أنه وسع السموات والأرض ، فقال بعضهم هو علم الله تعالى ذكره. وأما الذي يدُلُّ على ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر ابن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير أنه قال هو علمه ) ] 11- [ أول ابن عباس رضي الله عنهما لفظ المجيء فقد جاء في تفسير النسفي رحمه الله تعالى (4/378) عند قوله تعالى : {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } ما نصّه : ( هذا تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه ، فإن واحداً من الملوك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره وخواصّه ، وعن ابن عباس أمره وقضاؤه) ] 12- [ أول ابن عباس رضي الله عنهما للفظ الأعين في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } قال رضي الله عنه ( بمرأى منا ) تفسير البغوي (2/322) قال تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } قال رضي الله عنه ( نرى ما يعمل بك ) تفسير الخازن (4/190) ] وسؤالي : أرجو إفادتي عن هذا الأمر وبيان الصحيح من الخطأ
ج/هذه النقول فيها تفصيل :
– فمنها : ما لا يصح عمن نسب إليه .
– ومنها : ما يدخل في التفسير والبيان .
– ومنها : مالا يدخل في صفات الله أصلا ولا يستطيع الطالب أن يميز هذه الفروقات إلا بعلم أصيل :
أولا : بأن يكون راسخا في علم معتقد أهل السنة والجماعة مجملا ومفصلا ؛ لأن بعض الناس يعلم معتقد أهل السنة مجملا ولكنه لا يعلمه مفصلا فهذا يمكن أن يلبس عليه ويغالط
ثانياً : أن يكون متمكنا من العلم الذي يمكنه من معرفة الصحيح والضعيف من الأخبار سواء كانت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أئمة الإسلام كأحمد وغيره وإلا وقع في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأئمة
أما الإمام أحمد والإمام مالك قبله فهما من أشد الناس على من يتكلم في صفات الله عز وجل زيادة أو بغير ما نطق به القرآن
ولذلك لما جاء رجل إلى الإمام مالك وسأله فقال : يا إمام : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [1] فكيف استوى ؟ فأطرق مالك إلى الأرض من شدة خوفه من الله تعالى لما سمع هذا السؤال حتى علته الرحضاء – أي تصبب عرقا لهول ما سمع – ثم رفع رأسه وقال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ولا أراك إلا رجل سوء ، فأمر بإخراجه
هذا الموقف للإمام مالك – رحمه الله – يعتبر قاعدة عند أهل السنة والجماعة في جميع صفات الله التي وردت في القرآن أو على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن هذه الصفات معلومة المعنى ، أي : معناها معلوم فلا يخاطبنا الله بما لا نعلم
لذلك قال الإمام مالك : الاستواء غير مجهول . أي : معناه غير مجهول فالاستواء معناه : العلو والارتفاع والاستقرار هذه معانيها في اللغة
والكيف [ أي كيفية استواء الله مجهول لا نعلمه ] لان هذا متعلق بذاته عز وجل وذاته غير معقولة ولا معلومة فلا تستطيع العقول أن تصل إليها فلا يمكن لأحد أن يعرف الكيفية .
والإيمان به واجب فنؤمن به كما نطق به القرآن : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }
والسؤال عنه بدعة : أي من سأل عن كيفية الاستواء فهذا بدعة ضلالة
والإمام أحمد – رحمه الله – معلوم قطعيا بالتواتر أنه أشد الناس على الذين يؤولون شيئا من صفات الله أو يدخلون عليها العقول حتى أنه لما سمع من يقول : ( لفظي بالقرآن مخلوق ) قال : هؤلاء مبتدعة ونهى عن مجالستهم والكلام معهم
فلا يصح عن الإمام أحمد ولا عن الإمام مالك إثبات غير هذا وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه في القرآن من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل
ولا يؤولون كما أولت الجهمية الاستواء بأنه الاستيلاء واستدلوا بقول شاعر نصراني حيث قال :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق
فسبحان الله يتركون القرآن وأقوال السلف ويستدلون بقول شاعر نصراني
فهل العرش كان عند غيره فاستولى عليه ؟
فهذا الضلال ليس من منهج أهل السنة والجماعة وحاشا الإمام أحمد ومالك أن يقعا في مثل هذا وغيرهم من أئمة الإسلام لا يشبهون الله بخلقه ولا يكيفون صفاته ولا يعطلونها عن معانيها اللائقة بها ولكنهم يمرونها على ظاهرها الذي دل عليه القرآن أو دلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم
هذه الخلاصة لا يثبت عن أحمد خاصة خلاف هذا ولا يثبت عن مالك غير هذا
ولكن بعض الكلام لا يفهمه السامع من باب التفسير مثلا أو أنه ليس من الصفات أصلا مثل الذين فسروا : { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } فهذه الآية ليست من الصفات فقوله : { بِأَيْدٍ } تفسيرها : بقوة ، لأنها ليست من الصفات
وأما قول الله تعالى في سورة ص – في إنكاره على إبليس عدم السجود – قال : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ }[2] فهذا من الصفات لأنها نسبها إلى نفسه سبحانه وتعالى وثناها قال { بِيَدَيَّ } وأما في آية سورة الذاريات قال { بِأَيْدٍ } جمع
ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى له يدان كما ثبت في الحديث الصحيح : (( إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ …… )) [3]
وبعضهم يدخل شيء في شيء فيدخل الآيات التي لا علاقة لها بالصفات في باب الصفات أو أحيانا يفسر العلماء بعض الآيات من باب التفسير والبيان للمعنى ولا يقصدون نفي الصفة
هذا تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في إثبات الكلام السابق :
وقد نفى شيخ الإسلام – رحمه الله – بشكل قاطع ما نسب إلى الإمام أحمد من التأويل وقال : [ لا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبيِّن أنه لا يقول إن الربَّ يجيء ويأتي وينزل أمره ، بل هو ينكر على من يقول ذلك
وقال : [ والصواب أن جميع هذه التأويلات مبتدعة ، لم يقل أحد من الصحابة شيئاً منها ولا أحد من التابعين لهم بإحسان ، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث ، كأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة ]
وهذه رسائل وأقوال الإمام أحمد مشهورة معروفة وما من مسألة من مسائل أصول الدين إلا وله فيها كلام ، ولم يرد فيها ما يخالف مذهب السلف ، ولذلك عدَّه الناس إماماً لأهل السنة بسبب ما ابتلي به من المخالفين من أهل الأهواء الذين ناظرهم وبيَّن بطلان أقوالهم ، وهو في ذلك متبع لمن قبله من أئمة السلف ]
