س384/ هل صحيح أن الشرع يمنع أن يطلب الشخص من أحد أن يدعو له في مسألة خاصة ؟ وأن على المسلم أن يدعو ربه بما يريد لأن مواطن الإجابة كثيرة

ج/  نعم  هذا   صحيح   لأن  الله  سبحانه  وتعالى   برحمته  وفضله  لم  يجعل   بينه  وبين  عباده  واسطة فالإنسان إذا قام في صلاته  يقول  : {  الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}  فيجيبه  رب العالمين  في  الحال  في  نفس  اللحظة فيقول :  (( حَمِدَنِي عَبْدِي )) [1] إذا  ليس  بيننا  وبين  الله  حجاب   وليس  بيننا  وبين  الله  عز  وجل  واسطة  نتوسط  إلى  الله  بها  بل   واسطة  العبد  المسلم  مع  ربه  هو  العمل  الصالح  :

–  إن  قام    في  صلاته  فقرأ  القرآن  أجابه  رب  العالمين  في  الحال .

–  وإن   دعا   استجاب  له  .

–  وإن  سجد  كان  قريبا  منه  : (( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ )) [2] وفي رواية : (( فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ )) [3]  هكذا  أمرنا  النبي  صلى الله عليه وسلم

فقوله : (( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ )) أي  : من  استجابة  دعاؤه  له  هو  عندما  تكون   في  السجود  قال  النبي  صلى الله عليه وسلم : ((  … فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ ))  هذا  موطن  تكون  الإجابة   قريبة أقرب  إليك  مما  تتصور   .

فالله  لم  يجعلنا  في  حاجة  لأحد  يدعو  لنا  بل  ندعو  الله  قال تعالى : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [4]

هكذا  أخبر  الله  عن  نفسه  تفضلا  منه  ،  فهذا  وعد من  الله  صادق  لا  يخلف  والله  أكرم  الأكرمين  وأرحم  الراحمين  ويحب  ان  يجيب الداعي  إذا  دعاه

فاجتهد  في الدعاء  اصدق في الدعاء  وأخلص فيه   وأخلص  في  أعمالك  كلها  حتى  إذا  وقعت  في  حاجة  او  ضرورة  يكون  لك  عملٌ  صالحٌ  تتوسل  الى  الله به  كما   أخبر  النبي صلى الله عليه وسلم عن  قصة النفر الثلاثة   الذين  آواهم  المبيت  إلى غار فانطبقت عليهم  صخرة   فقالوا :  إنه لا ينجيكم من هذا  إلا  أن تدعوا الله  بخالص أعمالكم :

– فأما أحدهم فدعا  الله ببره لوالديه .

– وأما  الثاني فدعا الله عز وجل بعفته عن  الحرام .

– واما الثالث  فدعا  الله  بحفظه  للأمانة  وأداء الحقوق إلى أهلها .

فنجاهم  الله وأخرجهم من مكان لا يشعر بهم  أحد . ولا  يدري  عنهم  أحد  إلا  الله عز وجل

فالله  قريب  : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}[5] فهذا  هو  الحال والواقع  لم  يحوجنا  الله   أن  نذهب الى العالم  يدعو لنا او  نذهب لاحد  يدعو لنا  ولا  نذهب   إلى  رجل  صالح  فيما   نظن  فيدعو  لنا   ادع  ربك  ليس  بينك  وبين  الله حجاب  ولا  واسطة

السائل/أحياناً كما تعودنا نطلب من أي إنسان أن يدعو لنا مثل الوالدين أو الأصدقاء أو غيرهم ، فهل هذا محظور ؟

ج/  الأصل  أن  الإنسان  هو  أعرف  بحاجته  إلى  الله  عز  وجل   وهو  أخلص  لنفسه  من  غيره   لذلك  أُمِرْنا  ألا  نسأل  الناس  شيئا   فمن  البيعة  التي  أخذها  رسول  الله  صلى الله عليه وسلم  على  أصحابه  قال  :  ((  أَنْ لاَ تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً ))[6] فكان  أحدهم  يسقط  سوطه  وهو  على  فرسه  فلا  يقل  لأحد  من  الناس  ناولني  السوط  بل  ينزل  ويأخذ  سوطه  استجابة  لهذه  البيعة  النبوية  الكريمة  الشريفة  هذا  وهو  في  أمور  الدنيا  ومع  ذلك  النبي  صلى الله عليه وسلم  أخذ البيعة عليهم   ألا  يسألوا   الناس  شيئا

ولذلك  لا  يسأل  أحد  أحدا  شيئا   إلا  في  حالات  الضرورة   القصوى   كأن  يكون  في  فقر   مدقع  أو  في  حاجة   أو  ضرورة  من  الضرورات   قد  تؤدي   إلى  هلاكه  أو  الضرر  به  ضررا  عظيما

وأما  ما عدا  هذا  خاصة  من  الأمور   اليسيرة   المقدور  عليها  فلا  ينبغي  للمسلم  أن  يذل  نفسه  ولا   أن  يسأل  من  أحد  شيئا ؛ لأن  السؤال   منة   فإذا  طلبت  من  أحد   شيئا   فكأنك  تطلب  منه  أن  يمن  عليك  بهذا  الشيء

وهذه  المنة  نوع  من  الرق   فتبقي  السائل  أو  الطالب   مرتهن  بهذه  المنة   والله  المستعان ولذلك  أمرنا  النبي  صلى الله عليه وسلم  بأن  نكافئ  من  قدم  إلينا  إحسانا  مهما  كان  قال  صلى الله عليه وسلم  : (( … وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ )) [7]

وما  كان  النبي  صلى الله عليه وسلم  يهدى  إليه  شيء  إلا  يجازي  من  أهدى  إليه    بأفضل  مما  أهدى  إليه

فالسؤال  مذلة  ورق   ومنة  والله  عز  وجل  يريد  من  المسلم  أن  يكون  حرا   لا  منة   لأحد  عليه  إلا   الله  عز وجل  ورسوله  صلى الله عليه وسلم

من  أجل  هذا   ورد  النهي  أن  نطلب  من  أحد  شيئا  ومن  ذلك  الدعاء  لأن  الدعاء   هو  أعظم  المطالب   والمقاصد  فإذا  كان  لا  يجوز  ولا  ينبغي لأحد   أن  يطلب   من  أحد  شيئا  حتى  لو   كان  شيئا  يسيرا  كأن يناوله   السوط  وهو  على  فرسه   فالدعاء  أعظم  من  ذلك  بكثير  فالذي  ربى  النبي  صلى الله عليه وسلم  أصحابه   أن  لا يطلب  أحد  من  أحد  شيئا  ولو   كان  شيئا  يسيرا  فالدعاء  ليس  بيسير   الدعاء  أعظم  المطالب  وأعظم  المقاصد  ، هذا  أصل  عظيم   ينبغي  للإنسان  أن  يتفقه  فيه

والأصل  الآخر  :

هو  ما  ذكرناه  سابقا  في  الجواب  السابق   وهو   أن  الله  عز  وجل   لا  يرضى  أن  نجعل  بيننا  وبينه  وسائط  إذا  كانت  لك  حاجة  لله  سبحانه  وتعالى  فبادر  بسؤاله   لأنه  يحب الملحين  في  الدعاء  والملحين  في  الطلب   لا  الملحين  إلى  غيرهم  ولا   السائلين  لغيرهم  أن يدعو  لهم   بل  يحب   الله  أن  يتوجه  العبد  إليه  بطلبه  وسؤاله  والالحاح  عليه  لذلك  ورد  في  الحديث  الصحيح  : (( إِنَّ اللهَ لَيُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ )) [8]

 

الملحين :  أي  الذين يلحون في  دعائهم  ويثابرون على  الدعاء  ويلهجون  بالدعاء  في  كل  الأوقات  وفي  كل  الأحوال  في الليل  والنهار  في  أوله  وآخره   وفي   صلاتهم   وفي  سجودهم   هذا  يحبه  الله  من  عباده

 

فإذا  كان  الله  عز  وجل  يحب  الملحين  في  الدعاء   فقد  أغنانا  الله  سبحانه  وتعالى   عن  أن  نسأل  غيرنا  أن  يدعو  لنا   ،  فالله  يحب  أن  تلح  عليه  في  الدعاء لا أن تروح  لغيره   وتقول  ادع  لي  هذا  مناقض  لمحبة  الله  ،  فمحبة  الله  هي  أن  تلح  عليه   بنفسك  تظهر فقرك  تظهر  حاجتك  لأن  الذي  تقول  له  ادع  لي   لن  يظهر  فقرك   بين  يدي  الله  سيظهر  فقره  هو   وسيظهر  حاجته  هو  حتى  لو  دعا  لك  فإنما  يظهر  فقره  وحاجته   لأنه  لا  يستطيع  أن  يحقق لك  ما  تريده   بدعوته  لك  فهو  يلح   على  الله  فالإلحاح  له  هو  وليس  لك  وأنت  ليس  بينك  وبين  الله  حجاب ولا واسطة  فإذا  كنت  تريد  من  هذا  الذي  تسأله  أن  يلح  على  الله في  الدعاء  فلتكن  أنت  الملح   على  الله  في  الدعاء  لنفسك

 

لماذا  تلجأ  إلى  غيرك   ليلح  على  الله  في  الدعاء  لك  :

–  هل  هو   استغناء  منك  عن  الله  ؟  لا  .

– هل  هو  جهل  منك  بالله  وبعظيم  رحمته   وأنه  كريم  وأنه  يجيب  الداعي إذا دعاه وأنه يستجيب  لدعوات  الملحين   ؟  لا  أظن  بمسلم  هذا   إن  شاء   الله

إذا ليس  إلا  عادات  الناس  توارثوها  وتعودوا  عليها  وسمعوها  من  الكبار   وظنوا  أنها  تحقق   لهم  مقاصدهم   وهذا  غير  صحيح   ولا  أصل  له وإذا  أردت  حاجة  من  الله   فالجأ  إلى  الله  بنفسك  وادع   الله  وانطرح   بين  يديه   ولح  في  الدعاء  إليه   فإنه  قريب   هو  سبحانه  وتعالى  قال  هذا  عن  نفسه  : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}

والنبي  صلى الله عليه وسلم يقول  : (( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ ))   هذا  كلام  الله  عن  نفسه  وهذا  كلام  رسوله  صلى الله عليه وسلم الذي   هو  أعلم  الناس  بالله ، إذاً  ماذا  بقي   تروح  لفلان  يدعو  لك  ! لا  إله  إلا  الله

وهناك   خطر   عظيم   قد   يقع   على  من  تطلب  منه  الدعاء إذا  كان ضعيف   البصيرة   فقد  يدخل   إلى    نفسه   الغرور   والعجب  فيهلك  وحتى  لو  كان  من  أهل  البصيرة   والحزم فإن   الحي   لا  تؤمن  عليه  الفتنة قال  عبد  الله  بن  مسعود  رضي الله عنه : [ من  كان   مستنا   فليستن   بمن   قد  مات فإن   الحي   لا  تؤمن   عليه  الفتنة   ] حفظنا  الله  وإياكم  والمسلمين  من  الفتن ما ظهر  منها  وما  بطن   برحمته  ولطفه

وصلى  الله  وسلم   على  نبينا  محمد  وآله

 

 

1- أخرجه مسلم برقم (395) طبعة دار المغني

2- أخرجه مسلم برقم (482) طبعة دار المغني

3- مسلم برقم (479)

4- غافر الآية (60)

5- البقرة الآية (186)

6- أخرجه الإمام أحمد برقم (21841) طبعة بيت الأفكار

7- أخرجه أبو داود برقم (1672) طبعة بيت الأفكار

8- أخرجه البيهقي في شعب الإيمان