س455/قال الإمام ابن القيم – رحمه الله – : [ الفرق بين حسن الظن (بالله) والغرور ] أريد من فضيلتكم بيان معنى هذه العبارة .

ج/ حسن  الظن  بالله من قواعد أعمال القلوب  وحقائق الإيمان  التي  وردت في القرآن  وفي  السنة .

والمقصود  بحسن  الظن  :

أن يكون ظن الإنسان  في  ربه  خير   أن  يظن  بالله  العفو  وأن  يظن  بالله  الرحمة  كما  هو  في  كتاب  الله  يعني  يظن  بالله  تحقق  حقائق أسماء  الله  وصفاته  ويؤمن  بذلك  إيمانا  جازما   ويرجو  ما  وعد  الله  به   من  العفو   والمغفرة  والرحمة  والرزق  والشفاء وغير  ذلك من مطالب العبد في  الدنيا والآخرة .

فهذا  مطلوب  من العبد أن  يكون  حسن  الظن  بالله  عز  وجل  إن  أصابته سراء  أحسن  الظن  بالله  عز وجل  في  أن  الله  يسر  له  وأعطاه  وتفضل  عليه من فضله وإحسانه  ويؤمن  بالله هذا  كله  من  الله قدرا وتدبيرا  وأن  الله إنما  يريد به الخير  .

وإن مرض  يحسن  الظن  بالله  أن  الله قادر  على  الشفاء  وأنه  إذا  شاء  رفع  عنه  البلاء  والداء  ، فهذا  هو  إحسان  الظن  بالله .

وإذا  عمل  العمل  الصالح  يظن  بالله خيرا  بأن  يوفقه  للإحسان  في  هذا  العمل  وأن يتقبل منه ما عمله  يبتغي به وجه الله  .

وعند مرض الموت  يحسن الظن بالله في أن الله سبحانه وتعالى  يغفر الذنوب جميعا وأنه سبحانه وتعالى رحيم بعباده ، هذا المطلوب من المؤمن في جميع الأحوال أن يكون حسن الظن بالله .

وقد وردت الأحاديث والآثار  تدل  على أن من أحسن الظن بالله عز وجل فإن  الله يكون عند حسن ظنه  .

وهذه  قاعدة  إيمانية كما قلنا  ولكن  قد يعتريها غرور وهو  أن  يعمل  ما يغضب الله ويرتكب ما حرم  الله  ويقصر فيما  أوجب الله  .

يقصر  في الواجبات ويرتكب المخالفات والمحرمات ومع ذلك يظن أن الله سبحانه وتعالى سيجعله في  الجنة  في الآخرة  وأنه  في  الدنيا  سيدر عليه الخير  والأرزاق والعافية  .

والمصيبة  إذا  ابتلاه  الله  عز وجل فأسبغ  عليه  العافية والرزق  وتوسعت دنياه  فيزداد غرورا  ويظن  أن هذا لمكانته  عند  الله  وأنه  عزيز  عند  الله وأن  الله يحبه  فهذا  هو  الغرور  المهلك الذي  أهلك من هلك من أهل الدنيا .

فعلى  المسلم  أن  لا  يغتر  إن أعطاه  الله  ووسع  عليه  في أمور الدنيا  أو حتى في أمور  الدين  يعني  فحافظ  على  الصلاة  في  أوقاتها   وأكثر  من  ذكر  الله  وقراءة القرآن  لا  يغتر   بل  يتواضع  لله  ويظهر  لله  بقلبه وقالبه  شدة  حاجته  إلى  الله وأنه  لا  يستغني  عن  الله  طرفة  عين   وأن  عمله  هذا  إذا  لم يخلص فيه لله  فهو  مردود  عليه  ووبال   ليكن  هكذا  هذا  الذي  يحسن الظن  بالله  .

يحسن  العمل  ويتهم  نفسه  يعمل  الأعمال  التي  فرضها  الله  وأحبها  الله  من   عباده  وسنها  رسول  الله  صلى الله عليه وسلم  ويحسن  الظن  في  أن  الله  سبحانه  وتعالى  يوفقه  ويسدده  ويتقبل  منه  ولا  يأتي  في  نفسه  شيء  من  الغرور  في  أنه  عند  الله  مكرم  وأنه من أهل  الخير وأهل الصلاح  إلى  آخر ما يوسوس  به  الشيطان  في  النفوس

بل يعمل العمل  الصالح  ويجتهد  في  إتقانه  وإحسانه  وهو مع  ذلك  يخشى  أن  يرد  عليه  هذا  العمل  ويضرب به في وجهه  .

فأما إن عمل بعكس هذا  وهو  أن  يعمل  المحرمات  ويترك  الواجبات  ومع  ذلك  يظن  أنه  في أعلى  عليين  فهذا  والعياذ  بالله  غرور  الشياطين لا أكثر  ولا  أقل

فعلى  المسلم أن  يحسن  العمل ويتقنه  ويزداد فيه  إخلاصا وتعظيما  لله  عز وجل  ومع  ذلك  يخشى  أن  يضرب به في وجهه وأن  يرد عليه والله  تعالى  لا  يظلم  أحدا  ولكن لآفة  في  قلبه  أفسدت  عمله

 

وليتذكر  ثناء  الله  عز وجل  على  المحسنين  من عباده  فالله سبحانه وتعالى  ذكرهم  وقال  أنهم  يعملون الأعمال  الصالحة  ويخافون  أن  ترد  عليهم  لما  سألت  أم المؤمنين عائشة رضي الله  عنها  رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيةِ : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قَالَتْ عَائِشَةُ : أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ ؟ قَالَ : (( لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ )) [1]

يعني  يعملون  الأعمال  الصالحة ويتقربون  إلى  الله  عز وجل   بما  يحبه  ويرضاه  وهم  مع  ذلك  يخشون أن ترد  أعمالهم  عليهم ولا تقبل  هذا  هو  إحسان  الظن  بالله

 

فأما  الذي  يعمل الأعمال  الصالحة  ثم  يمن  بها  على الله   ويرى  أنه  قد  عمل وعمل  كالذي  يقول  : [ نحن  نصلي ونقرأ  القرآن ]  ما هي  صلاتك  يا مسكين ؟ وما هي قراءتك  للقرآن  ؟

هناك  سر  بين  العبد  وربه  إذا  لم  يتحقق لا  ينفع  العمل  فليحذر المسلم من تلبيس الشيطان  وتلبيس النفس الأمارة  بالسوء

 

وأما  العباد  المخلصون  لله  عز وحل  فإنهم  لا  ينظرون  إلى أعمالهم  يعملون  الأعمال  في تواضع  ويتقنونها  قدر ما يستطيعون  ومع  ذلك  يخافون  أن يردها  الله  عليهم  ولا  يقبلها  وهو  سبحانه وتعالى  لا  يظلم  أحداً  ولكنه   يرد  العمل  لبلاء  في  داخل  النفس  لم  يكتشفه  الإنسان  منها  الرياء  والسمعة  والعجب  والكبر  والغطرسة  ومع  ذلك  يظن  أنه  من عباد  الله الأبرار المتقين فالله  المستعان ، نسأل  الله  أن  يحفظنا وإياكم وجميع  المسلمين

 

 

1- أخرجه الترمذي برقم (3175) طبعة مكتبة المعارف