ج/بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أله وأصحابه ومن والاه وبعد : الله سبحانه وتعالى غيب محجوب ، فهل أحد من البشر رأى الله ؟
الجواب : لا ، حتى موسى عليه السلام وهو كليم الله وكتب الله له التوراة بيده سبحانه وتعالى فتصور هذه المنزلة الرفيعة لهذا الرسول الكريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم ، ومع ذلك لما قال : { رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} فلما سمع كلام الله أراد أن يرى الله بعينه : {قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} أي : لا تستطيع : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا }[1]
يقول أهل التفسير لما تجلى من رب العالمين بقدر رأس الأنملة طارت سبعة جبال من أماكنها وذابت فالبشر لا يستطيعون رؤية الله في هذه الأرض وهم في حال الحياة ولا أحد يرى الله في الدنيا
ومحمد صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخلق على الله وأعظم من موسى ومن إبراهيم ومن جميع الأنبياء هو سيد الأولين والآخرين من ذرية آدم عليه السلام ، لما عرج به إلى السماء قالوا : هل رأيت ربك ؟ قال : (( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ )) [2] لأن حجاب الله عز وجل النور غطى على بصر محمد صلى الله عليه وسلم فإذا كان هذا أقرب الخلق إلى الله لم يستطع رؤية الله فكيف بغيره ؟
فهذه المسألة قطعية أنه لا أحد يرى الله في الدنيا ، ولذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للناس فتنة الدجال قال : (( وَاعْلَمُوا أنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا )) [3]
فرب العالمين غيب محجوب لا يُرى في الدنيا بالأبصار ، وأما في الآخرة فسيراه المؤمنون بأبصارهم .
فهذا الإله العظيم الذي خلقنا من العدم وخلق كل الكائنات من العدم فلم يكن هناك شيء إلا الله لذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أين كان ربنا قبل أن يخلق العرش ؟ قال : (( كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ … )) [4] أي : ليس هناك شيء إلا الله تعالى
فهذا الإله العظيم لم يره أحد بعينه ولا أحد سمعه إلا صفوته من أنبيائه فهذا الإله العظيم الذي هو غيب الغيوب كيف نعرفه ؟
فنحن متيقنون أن هذا الإله موجود فكيف نعرفه ؟
الجواب : نعرفه بما عرفنا به على نفسه فلا نستطيع أن نعرف عن الله شيء إلا من خلال كلامه أو ما أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم
فالغيب ما اختص الله بعلمه ولا يُعرف إلا من طريقه ليس هناك طريق أخرى يُعرف من خلالها
أول ذلك وأعظمه ما يتعلق بذاته سبحانه وتعالى بوجوده وأسمائه وصفاته وأفعاله لا يمكن لأحد أن يعرف شيئاً منها إلا من طريق الله فقط ، فالطرق كلها مقفلة إلا طريق واحد وهو ما أخبر به عن نفسه ، حتى أنبيائه لا يعلمون عنه إلا ما علمهم ولذلك من الدعاء المأثور : (( ………. أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ … )) [5] ما لم يعلمهم به لا يعلمون ، وأسماؤه التي اختص بها أكثر مما علم خلقه
فلا طريق لنا إلا أن نؤمن بالغيب وأن هذا حق وحقيقة وإن لم نره بأعيننا ولم نسمعه بآذاننا فنؤمن به يقين جازم أن كل ما أخبر به في كتابه عن نفسه أو أخبر به رسله عليهم الصلاة والسلام عن الله حق .
والرسل لا يأتون بشيء من عندهم أبداً خاصة في هذه المسألة وهي ما يتعلق بالله وبذاته أو بأسمائه أو بصفاته أو أفعاله
لما جاء وفد بنو تميم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : (( اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِى تَمِيمٍ )) قَالُوا : بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا – جفاه أجلاف ، ثم جاء أهل اليمن أهل السكينة والحكمة والإيمان – فَقَالَ : (( اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ )) قَالُوا : قَبِلْنَا ، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ . قَالَ : (( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ … )) [6] وفي رواية قال : (( كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَعَهُ ))
لا عرش ولا كرسي ولا سماوات ولا أرض ولا ملائكة ولا مقربون
ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق إلى قيام الساعة ، ثم خلق العرش وخلق الكرسي وخلق بعدها السماوات والأرض
فالله سبحانه وتعالى غيب محجوب لا يمكن لأحد إلا الله أن يطلع على هذا الغيب المحجوب ولا يمكن الوصول إلى شيء منه إلا بتعليم الله بعلم الله وما أخبر به الرسل
والله سبحانه وتعالى قد وصف نفسه في كتابه ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بما أوحاه الله إليه فمن التزم بهذا وأخذه بحب ويقين وتصديق وتسليم فهو المؤمن
ومن أخذه بعقله فهذا في ظلمات نهايتها جهنم فلا مجاملة في هذا الأمر ، إما أن تسلم عقلك وقلبك لله وإلا تتردى في مهاوي الهلاك فلابد من هذا اليقين فلا يتحقق اليقين إلا بهذا
فاقرأ كلام الله وقف عنده وإن أشكل عليك شيء فارجع إلى أهل العلم واسألهم وكن قريباً منهم وكن متواضعا مع الله حتى يعلمك الله : {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}[7]
فأما المتعالي الذي يقول أنا أفهم لا أحتاج للعلماء ولا إلى غيرهم فهذا لا يوفق إلا أن يهديه الله ويلهمه رشده
{وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى}[8] هذا يقوله الله لأحب الخلق إليه وأعظمهم منزلة عنده : {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} فقبل أن ينزل عليه القرآن لم يكن يعرف شيئاً وإن كانت فطرته سليمه ومتهيء لأمر عظيم سيوحيه الله إليه ولكنه قبل الوحي لا يعرف شيء ، فإذا كان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبه الله بهذا فغيره ماذا يكون ؟
فعلى المسلم أن يتهم رأيه ويتهم نفسه أمام علم الله عز وجل وأمام ما أوحاه الله إلى رسوله وأنبيائه وأخبروا به بمنتهى الأمانة والصدق ولم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه شيئاً
فمن هنا يحصل اليقين وتربى النفس على التواضع والخضوع والتعظيم لله والإجلال لله ثم تتولد الخشية والخوف ثم بعد ذلك يتحقق الرجاء في الله وأنه لا يهلك على الله عز وجل أحد والله سبحانه وتعالى آخذ بيده وقلبه ، فبهذا يتحقق اليقين
وأنصحكم نصيحة مشفق : أن تقطعوا مجالس اللهو والعبث والخرجات والدرجات ، وأن تخصصوا هذه الأوقات للتزود فإن خير الزاد التقوى ، فبعض الناس لم يخصص لنفسه وقت يتعلم فيه الفقه ويتزود من العلم النافع ، العلم الذي يعرف به حقائق الإيمان ويوجد الإيمان في القلب ويُعمر القلب بالإيمان بالله حقيقة بعلم على بصيرة : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } [9]
البصيرة : العلم النافع المولد للعمل الصالح ، فهي قضية متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض علم نافع يؤدي إلى العمل الصالح ، فلا عمل صالح إلا بعلم نافع هذه خاصية دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم { أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } فهذه البصيرة علم نافع يلزمه عمل صالح ولابد لا ينفك عنه فالعمل الصالح لا ينفك عن العلم النافع ولا يتقدم عليه
فعلينا أن نتعلم العلم النافع ونجاهد أنفسنا في أن نصدق مع الله فيصدقنا الله كما في قصة الأعرابي الذي أسلم والنبي صلى الله عليه وسلم متهيء للمعركة مع المشركين فنصرهم الله فبعد المعركة ناداه النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه حسابه من الغنيمة . فقال الأعرابي : مَا هَذَا ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم : (( قَسَمْتُهُ لَكَ )) قَالَ : مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ وَلَكِنِّى اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَا هُنَا – وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ – فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ . فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ )) فَلَبِثُوا قَلِيلاً ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (( أَهُوَ هُوَ )) قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : (( صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ )) [10]
فعلينا أن نحفظ الله حتى يحفظنا في الدنيا وفي القبر وفي يوم القيامة وعند المرور على الصراط ، والصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف في ظلمة إلا من أعطاه الله نور والمنافقون ينادون على المؤمنين : {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } [11] أي : انتظرونا حتى نلحق بالنور الذي معكم : { قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} أي : ارجعوا إلى الدنيا فالنور هذا أخذناه من الدنيا وليس في الآخرة ، وأنى لهم الرجوع فيكبهم الله في نار جهنم أجارنا الله وإياكم منها
فعلى المسلم أن يتبصر ويتعلم ويراجع نفسه ويعدل من سلوكه فهذه حقائق وإيمان فإن فرط فيها عرض نفسه للهلاك
ثم كم سيعيش المسلم في الدنيا هب أنه عاش مائة سنة فماذا بعدها ؟ بعدها الموت ولابد
فنوح عليه السلام قص الله قصته في القرآن وأنه لبث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما هذه مدة الدعوة فقط كم عاش قبلها وبعدها لا ندري ، فلما حضرته الوفاة سألوه قالوا : كيف وجدت الدنيا ؟ قال : (( كَرْجُلٍ لَهُ دَارٌ لها بَابَانِ دَخَلَ مِنْ بَابٍ وَخَرَجَ مِنْ بَاب ))
هذا وهو عاش في الدعوة فقط تسعمائة وخمسون سنة ، قيل أنه عاش قبلها خمسمائة سنة وقيل أكثر وقيل أقل
وبعد أن أهلك الله قومه قيل أنه عاش مائتين سنة وقيل عاش أكثر
2- أخرجه مسلم برقم (178) طبعة دار المغني
3- أخرجه الإمام أحمد برقم (23144) طبعة بيت الأفكار
4- أخرجه الإمام أحمد برقم (16289) طبعة بيت الأفكار
5- أخرجه الإمام أحمد برقم (3712) طبعة بيت الأفكار
6- أخرجه البخاري برقم (7418) طبعة بيت الأفكار
